الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

176

تفسير روح البيان

مطلق عما قيد به الإهلاك من قبلية يوم القيامة وكثير من القرى العاصية قد أخرت عقوباتها إلى يوم القيامة هذا ما ذهب اليه المولى أبو السعود رحمه اللّه يقول الفقير لا يخفى ان هذا التعميم لا يناسب سوق الآية وقيد القبلية معتبر في الشق الثاني أيضا وهو لا ينافي العذاب الشديد الواقع بعد يوم القيامة حسبما افصح عنه القاطع فالوجه حمل الإهلاك على الاستئصال والتعذيب على أنواع البلية التي هي أشد من الموت وعمم في بحر العلوم القرية يدل عليه إيراده قوله عليه السلام ( ان أمتي أمة مرحومة انما جعل عذابها في القتل والزلازل والفتن ) وقوله عليه السلام ( ان حظ أمتي من النار بلاها تحت الأرض ) وقد قيل الهلاك للقرى الصالحة والعذاب للطالحة قالوا خراب مكة من الحبشة وخراب المدينة من الجوع وخراب البصرة من الغرق وخراب أيلة من العراق وخراب الجزيرة من الجبل وخراب الشام من الروم وخراب مصر من انقطاع النيل وخراب الإسكندرية من البربر وخراب الأندلس من الروم وخراب فارس من الزلازل وخراب أصفهان من الدجال وخراب نهاوند من الجبل وخراب خراسان من حوافر الخيل وخراب الري من الديلم وخراب الديلم من الأرمن وخراب الأرمن من الخزر وخراب الخزر من الترك وخراب الترك من الصواعق وخراب السند من الهند وخراب الهند من أهل السد يأجوج ومأجوج - وروى - عن وهب بن منبه ان الجزيرة آمنة من الخراب حتى تخرب أرمينية وأرمينية آمنة حتى تخرب مصر ومصر آمنة حتى تخرب الكوفة ولا تكون الملحمة الكبرى حتى تخرب الكوفة وإذا كانت الملحمة الكبرى فتحت قسطنطينية على يدي رجل من بني هاشم كانَ ذلِكَ الذي ذكر من الإهلاك والتعذيب فِي الْكِتابِ اى اللوح المحفوظ مَسْطُوراً مكتوبا لم يغادر منه شئ الا بين فيه كيفياته وأسبابه الموجبة له ووقته المضروب له وفي الحديث ( أول شئ خلق اللّه القلم من نور فاخذه بيمينه وكلتا يديه يمين والقلم مسيرة خمسمائة عام واللوح مثله فقال للقلم اجر فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة برها وفاجرها رطبها ويابسها فصدقوا بما بلغكم عن اللّه من قدرته ) وفي الحديث ( أول ما خلق اللّه القلم بيده ثم خلق النون وهو الدواة ثم قال اكتب فقال وما اكتب قال ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة ثم ختم على فم القلم فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة ) رواه ابن عباس رضى اللّه عنهما وفي التأويلات النجمية وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ اى قرية قالب الإنسان إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها بموت قلبه وروحه قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ اى قبل موت القالب فان من مات فقد قامت قيامته أَوْ مُعَذِّبُوها بصب البلاء والمحن والأمراض والعلل والمصائب والنقص في الأموال والأنفس وأنواع الرياضات والمجاهدات ومخالفات الهوى بالاختيار والاضطرار عَذاباً شَدِيداً فان الفطام من المألوفات شديد كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً من الأزل عزة وعظمة وكبرياء وجبروتا فلا يصل السائر الصادق المحب إلى سرادقات جلاله شوقا إلى جماله الا بعد العبور على العقبة الكؤود فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ فلما كان حال البلوغ إلى بيته قوله لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ فكيف يكون حال أهل الوصول اليه ولهذا قال صلى اللّه عليه وسلم ( ما أوذي نبي مثل ما أوذيت ) فلما لم يصل أحد إلى مقامه الذي وصل ما أوذي أحد في السير إلى اللّه والسير في اللّه